Humat Dijlah

تدريب حماة دجلة في الموصل، سعياً لرسم واقع بيئي أفضل

يستعد شباب محافظة نينوى لإطلاق حملة بيئية كبرى لمواجهة اخطار التلوث وتردي الواقع البيئي لمحافظتهم، وفي إطار هذا المسعى نظمت جمعية حماة دجلة تدريب تخصصي حول آليات المدافعة البيئية وحماية الموارد المائية. حيث شارك في التدريب الذي أقيم في مدينة الموصل ٢٠ شاب وشابة من مختلف مدن محافظة نينوى، وتناول التدريب الذي استمر ليومي ٧ و٨ شباط / فبراير ٢٠٢٠، ابرز مفاهيم حماية البيئة واشكال التلوث وآليات تنظيم حملات المدافعة البيئية بتقنيات فعالة.

الموصل التي عانت من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي لثلاث سنوات بين ٢٠١٤ و٢٠١٧، عانت خلال هذه الفترة من تدمير شامل لم يتوقف عند البنى التحتية والمنشآت الخدمية فحسب، بل طال أيضاً عناصر التوازن البيئية ومنظومات الوقاية ومعالجة الملوثات، وأثرت الحرب التي جرت في المدينة لتحريرها بتعقيد المشهد البيئي وزيادة الاضرار على الهواء والمياه والتربة، ما ظهر اثره واضحاً بعد ذلك على سكانها.

فخلال سنوات سيطرة التنظيم الإرهابي تم تدمير العديد من المنشآت النفطية، سواء بتدمير مصافي تكرير الزيت الخام، أو رؤوس الآبار، وخطوط الأنابيب، مما سبب تسربات للمواد الكيمياوية الثقيلة وانبعاثات لغازات سامة، كما طال التخريب او الإهمال محطات معالجة المياه الثقيلة ومياه الصرف الصحي، ممى أدى الى خروج العديد منها عن الخدمة وتسرب المياه الملوثة الى الأنهار الجارية او الى باطن الارض ليختلط بالمياه الجوفية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث سببت سنوات الحصار والنزوح والحرب موت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية وانحسار الغلاف الأخضر للمحافظة بشكل يصعب تعويضه، فيما ساهمت الحرائق الهائلة التي أحدثها تنظيم داعش وامتدت لشهور اثناء معارك التحرير وقبلها كما حدث في القيارة، الى ترسيب السموم في التربة عبر الامطار الحامضية التي حملت معها الملوثات الى الأنهار كذلك[1].

كانت آبار النفط المشتعلة والمواقع الصناعية المتضررة بشدة، تجذب كالمغناطيس أبصار الإعلام، الذي عرض أهوال سموم الحرب في بثٍّ حي، وما إن خمدت النيران، حتى تلاشى الاهتمام بالعواقب الصحية من جَرَّاء التعرُّض للتلوُّث الذي خلَّفه الصراع. ورغم أن الصحفيين غادروا، فعلى البشر الذين يعيشون بمناطق فيها مخلفات سامة من هذه الحرب، مواجهة الإرث البيئي النكِد للصراع، من هواء لوَّثه اشتعال الآبار، وسخام ينتشر فوق مساحات شاسعة، فيغطي التربة، ويؤثر على الماشية، ومياه جوفية لوَّثها تسرُّب النفط إليها، والمياه العادمة“.هذه العبارة وردت في مطلع المحور الخامس بخلاصة تقرير لمنظمة ’باكس للسلام‘[2]، أصدرته خلال اجتماعات جمعية الأمم المتحدة للبيئة، التي انعقدت أواخر عام ٢٠١٧ بالعاصمة الكينية نيروبي.

فيما كتبت الصحفية رحاب عبد المحسن ان التقرير الصادر بعنوان: ’العيش تحت سماءٍ سوداء‘، خلص إلى أن الحروب التي دامت لثلاث سنوات منذ يونيو 2014، ووضعت أوزارها بإجلاء مسلحي تنظيم ’داعش‘ عن محافظة نينوى، تركت على البيئة هناك بصمة عميقة، إلى الحد الذي سيعوق حتمًا أية جهود لإعادة البناء والإعمار، وعلى المدى البعيد سيكون وباله على المجتمعات -ثَمَّ وفي الجوار- وخيمًا من الناحيتين، الصحية والاقتصادية.

يستشعر شباب مدينة الموصل ومحافظة نينوى بشكل عام حجم الخطر المحيط بمدينتهم بعد ان عاش اغلبهم ويلات الحرب وشهد الكثير منهم المشاهد المأساوية للدمار الذي حل بها، فيما يتطلعون لواقع افضل عنوانه اصلاح ما دمرته الحرب وترميم مكونات المنظومة البيئية المتضررة، ليؤكدوا ان مرحلة إعادة الاعمار يجب ان تضع في مقدمة أولوياتها العمل على اصلاح الضرر البيئي، والاخذ بنظر الاعتبار تخصيص الاستثمارات بما يخدم اصلاح المنظومة البيئية كاولوية للإنطلاق نحو مختلف القطاعات. من جانبهم اقترح شباب الموصل خلال التدريب تنظيم حملات توعية تساهم بنشر ثقافة وعي بيئي متقدم بين سكان محافظة نينوى، حيث سيتم تنفيذ هذه الحملات مع جمعية حماة دجلة وبمساعدة شبكة حماة المياه في العراق.

من الجدير بالذكر ان التدريب تم بالتعاون مع حملة انقاذ نهر دجلة والاهوار العراقية، وبدعم من مركز المعلومة للبحث والتطوير، وبتمويل من الاتحاد الأوربي ومؤسسة CCFD الفرنسية، وضمن إطار المنتدى الاجتماعي العراقي.

علي الكرخي

 

[1] لمزيد من المعلومات حول الاضرار البيئية, راجع تقرير البيئة تستغيث من معركة الموصل.

[2] تقرير منظمة باكس للسلام

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *